الشيخ محمد آصف المحسني
93
صراط الحق في المعارف الإسلامية والأصول الإعتقادية
ليست كنسبة نقيضه اليه ؛ لأنّ الأولى مكيفة بالوجوب والثانية بالامتناع - فقد استلزمت الواجب على سبيل الخلف ؛ لأنّ تلك الحقيقة لا ثاني لها حتى تتعلّق به وتفتقر إليه ، بل كلّما فرضته ثانيا فهو هي لا غيرها . والعدم والماهية حالهما معلومة ؛ أو على سبيل الاستقامة ، بأن يكون المراد بالوجود مرتبة من تلك الحقيقة ، فإذا كان هذه المرتبة مفتقرة إلى الغير استلزم الغني بالذات دفعا للدور والتسلسل ، ولأول أوثق وأشرف وأخصر . أقول : هذا الوجه مبنى على مقدّمات هي أغمض تصديقا من أصل الدعوى بمراتب ، فلا بد أن يرجع إلى الصراط الثاني . الصراط الحادي عشر : اتّفاق الأنبياء والأولياء والعقلاء على ذلك ، فإنّهم أخبروا عن وجود الواجب الصانع ، وهذا الاتّفاق أقوى من التواتر ، ولا شيء من المتواترات مساو له في القوّة وإفادة اليقين . ذكره بعض المؤلفين « 1 » وببالي أنّ هذا الوجه نسب إلى جماعة من المتكلّمين . لكن الاستدلال المذكور هيّن جدا ، فإنّ العقلاء في ذلك مختلفون ، وأمّا الأنبياء فهم كغيرهم ما لم تثبت نبوّتهم المتوقّفة على وجود الواجب وصفاته ، بل لا سبيل لنا إلى إحراز وجودهم - سوى خاتمهم صلّى اللّه عليه واله - من غير جهة إخباره تعالى . هذا ، مع أن التواتر في الحدسيات غير حجّة ، فإنّه لا يفيد لا يقين ، وقد مرّ بعض الكلام فيه في المقدّمات . نعم يمكن الاستدلال بمعجزات خاتمهم صلّى اللّه عليه واله وأوصيائه عليهم السّلام على المطلوب ولا محذور فيه أصلا . الصراط الثاني عشر : لو انحصرت الموجودات في الممكن لاحتاج الكلّ إلى موجد مستقل - بأن لا يستند وجود شيء منها إلّا إليه ولو بالواسطة - يكون ارتفاع الكلّ بالكلية - بأن لا يوجد الكلّ ولا واحد من أجزائه - ممتنعا بالنظر إلى وجوده ؛ لأن ما لم يجب لم يوجد ، ويلزم من ذلك امتناع عدم المعلول من أجل العلة ، والشيء الذي إذا فرض عدم جميع اجزائه كان ذلك العدم ممتنعا نظرا إلى وجوده ، يكون خارجا عن المجمع ، لا نفسه ولا داخلا فيه ؛ لأنّ عدم شيء منهما ليس ممتنعا نظرا إلى ذاته ، فيكون واجبا لذاته ؛ إذ لا واسطة في الخارج بين الممكن والواجب ، فتدبر فيه . هذه هي الصراط القويمة الحقّة المستقيمة الموصلة إلى معرفة الواجب القديم ، والصانع الحكيم « 2 » ، وان للعالم مبدأ ينتهي سلسلة الموجودات اليه . وآخر دعوانا أن الحمد للّه رب العالمين .
--> ( 1 ) كفاية الموحدين 1 / 26 . ( 2 ) سوى بعضها ، الذي ناقشنا فيه .